الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

19

محجة العلماء في الأدلة العقلية

فنّا واحدا لعدم الجامع مع أنه لا يتميز عن ساير الفنون وبالجملة فلا بد ان يكون البحث في المسائل الاصوليّة عن أحوال الدليل من حيث هو كذلك وقد عرفت انه ليس شيء منها على هذا المنوال الّا مباحث التعارض وهو عند كثير منهم ليس معدودا من المقاصد في انّ الأصول ليس فنا مستقلا والتحقيق ان الأصول ليس فنّا مستقلّا بل انما هي مقدّمة جامعة لمسائل شتّى يذكر فيها كثير ممّا اتضح في ساير الفنون تذكارا كالحقيقة والمجاز والمتواطى والمشكك وبعض ما لم يتكفّل ببيانه فن فالجامع بين مسائل هذه المقدّمة ما يتوقف عليه الفقه مما يتكفل به فن من الفنون ويذكر فيها بعض الأمور استطرادا فالمسائل بين ما يتوقف عليه الاستنباط وبين ما يثبت به اعتباره والاعتداد به والمستنبط أعم من الاحكام للوقائع والوظائف والبحوث عنه في المقام انما هو وظيفة المكلّف بالنسبة إلى الاحكام الشّرعيّة وهي تختلف باختلاف حالاته بالنسبة إليها من حيث انكشافها انكشافا تامّا وهو القطع أو ناقصا وهو الظن وتردده فيها وهو الشك هذا ما أردنا بيانه من كون المسألة من المسائل الاصوليّة قبل الشروع في المقصود فنقول وإذ قد تبيّن ما حقّقناه فاعلم أن العلم حجّة بالذات وتحقيق الحق فيه يتوقف على تمهيد مقدّمة تتكفّل ببيان حقيقة الحكم التكليفي ومراتبه فنقول بعون اللّه تعالى ان الحكم عبارة عن المحمول الثابت لموضوعه في الواقع والمنفى عنه لا النسبة الجزئيّة ولا المحبوبيّة والمبغوضيّة أو المصلحة والمفسدة والحقّ عدم توقّف ارتباطه بموضوعه نفيا واثباتا على الانشاء ولا على وجود المكلّف كما لا يتوقف على وجود متعلق الحكم بل ينافيه وانما الاحكام التكليفيّة تثبت للأفعال قبل وجودها توضيح ذلك ان كلّ واقعة بالنسبة إلى الشارع متحيّثة بحيثيّة من الحيثيّات الخمسة لا محالة بمعنى انه لو سئل عنها الامر بها عنها أو نهى أو رخص فيها ومن المعلوم ان هذه الحيثيّة انما هي بلحاظ حال المستجمع لشرائط التكليف على ما سيأتي إن شاء الله اللّه تعالى وهذا هو الحكم التكليفي سواء استكشف بلفظ أو غيره فهذه النسبة لا تحدث في نفس الامر بالانشاء بل الانشاء مسبوق بها طبعا وعليها تدور الآثار التّكليفيّة ألا ترى انّه لو اطلع العبد من حال مولاه انه بحيث لو سئل عن انقاذ ابنه أو اكرام ضيفه أو قتل عدوّه لامر بها ومع ذلك تركها عدّ عاصيا واستحق الذم والعقاب ولا يعذر بعدم امر المولى بها وربّما لا تحضر الواقعة في ذهن المولى فضلا عن أن يتصدّى لانشاء الحكم فيها ومع ذلك يترتب الأثر بمجرّد انكشاف الحيثيّة المزبورة بالضّرورة فشىء من الأحكام الخمسة لا يتوقف ثبوته في الواقع على انشاء وليس الحكم التكليفي من قبيل العقود والايقاعات فان الحيثيّات المزبورة لا تحدث في نفس الامر الّا بالانشاء ولا فرق في ذلك بين كون الحيثيّة المزبورة دائرة مدار المصالح والمفاسد في نفس الاحكام أو في متعلقاتها وبين كونها جزافا وهذه هي المرحلة الأولى للحكم فاتصاف الفعل بالحكم التكليفي يكفى فيه تحيّث الحاكم بهذه الحيثيّة وان لم يوجد مكلّف ولم يصدر منه خطاب ولا ينافي هذا كون التكليف ربطا بين الثلاثة الحاكم والمكلّف ومتعلق التكليف فان الانتزاع بلحاظ المجموع ولا يعتبر في اللّحاظ الوجود في الخارج